نزع سلاح المقاومة؛ هدية غير مرغوب فيها لإسرائيل وخيانة صريحة للبنان
✍️ سعد الدين حسني
محلل في الشؤون الدولية
القرار المثير للجدل والخطير الذي اتخذته الحكومة اللبنانية بشأن نزع سلاح حزب الله لا يُعدّ مجرد خطأ استراتيجي وأمني فحسب، بل يُمثّل خرقًا واضحًا للمبادئ الأساسية للقانون الدولي، وأعراف العلاقات الدولية، والأسس الجوهرية لصون السيادة الوطنية. ويأتي هذا القرار غير المسبوق في خضم التوترات الإقليمية، وفي ظلّ التهديدات المستمرة من قبل الكيان الصهيوني، فلا يمكن فهمه إلا كعمل يجرّد لبنان من أدواته الدفاعية.
بحسب المادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة، فإن الحق في الدفاع المشروع هو حق أساسي لكل دولة في مواجهة التهديد أو العدوان الخارجي. وهذا الحق لا يشمل فقط الحكومات الرسمية، بل يمتدّ أيضًا إلى الجماعات المقاومة المشروعة، في حالات الاحتلال، أو التهديد بالاحتلال، أو عجز الدولة المركزية عن حماية شعبها. وقد أثبت حزب الله، خلال أكثر من عقدين، أنه الذراع الدفاعي الرئيسي للبنان، من خلال صموده في وجه الاحتلال والعدوان والهجمات الإرهابية والتهديدات الإسرائيلية المستمرة.
والتاريخ يشهد بأنه لولا وجود حزب الله، لبقي جنوب لبنان تحت الاحتلال الصهيوني حتى اليوم. ولم ينسَ اللبنانيون أنّ الجيش اللبناني كان، في العديد من المرات، غائبًا أو عاجزًا في مواجهة الاعتداءات المتكررة من قبل إسرائيل. وفي هذا الفراغ، لم يكن هناك من يعيد التوازن إلا حزب الله، الذي لم يحمل السلاح حبًا بالمغامرة، بل بدافع المسؤولية، وقدم أرواح رجاله فداءً للوطن.
أما اليوم، وفي قرار تفوح منه رائحة الخيانة، تسعى حكومة نواف سلام إلى إضعاف هذا الذراع المقاوم. الحزب الذي دافع بشجاعة عن الحدود والشعب وكرامة لبنان، بات هدفًا لمشروع بدأ من داخل السفارة الأمريكية في بيروت. ووفق ما صرّح به حزب الله، فإن هذا القرار هو نتيجة لإملاءات مباشرة من الممثل الأمريكي في لبنان، وتشير المعطيات إلى أن هذا المشروع قد تمّ التخطيط له منذ زمن طويل في غرف التفكير في واشنطن وتل أبيب.
ومن منظور القانون الدولي، يُعد هذا القرار انتهاكًا لمبدأ “حق تقرير المصير” ومبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”. كيف يمكن لدولة ما أن تكون خاضعة في قراراتها الدفاعية لإرادة القوى الأجنبية، ثم تدّعي أنها دولة ذات سيادة سياسية؟ إنّ ما يحدث اليوم في بيروت هو التجسيد الحقيقي للاستعمار الحديث؛ أي إدارة الدول من خلال دُمى سياسية وحكومات ضعيفة وتابعة.
أما من الناحية الأمنية، فإنّ هذا القرار يُمثل انتحارًا علنيًا. فالعدو الإسرائيلي، الذي يُعدّ العدو التاريخي للبنان، لم يتراجع يومًا، بل يواصل تعزيز قدراته العسكرية والهجومية. فالصواريخ، والطائرات المسيّرة الهجومية، والوحدات الخاصة، والحرب النفسية ضد لبنان، كلها أجزاء من آلة الحرب الصهيونية. وإلغاء المقاومة من المعادلة الأمنية للبنان، يعني فتح أبواب الجنوب أمام عدو لا يعترف بأي التزام أخلاقي أو قانوني لاحترام سيادة لبنان.
سياسيًا، فإن انسحاب الوزراء المحسوبين على حزب الله وحركة أمل من جلسة الحكومة يُعتبر خطوة مدروسة وتحذيرية. وهذه الخطوة ليست انسحابًا سياسيًا بل هي تعبير واضح عن رفض قاطع لمسار غير شرعي. فأي قرار مصيري كهذا، يُتخذ دون توافق وطني، لا يملك شرعية قانونية أو أخلاقية، ولن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي وتفاقم فقدان الثقة بين الشعب والحكومة.
رسالتي إلى الحكومة اللبنانية:
نزع سلاح المقاومة لا يجلب سلامًا ولا استقرارًا؛ بل يُشجع الكيان الصهيوني ويزيد من هشاشة لبنان. فالأمن لا يتحقق بالاستسلام، وإن كنتم تطمحون إلى حماية لبنان، فعليكم بالحفاظ على توازن القوى. حزب الله ليس مجرد مجموعة مسلحة هامشية، بل هو جزء من البنية الفعلية للقوة الوطنية في لبنان. تجاهل هذه الحقيقة هو نهج طفولي وذو كلفة باهظة.
ولا تنسوا أنّ الشعوب لا تغفر لمن يخون دماء شهدائها. إنّ تاريخ لبنان مليء بالحكومات التي راهنت على الخارج وخذلت شعبها، فكان مصيرها السقوط في حضن من استخدمها ثم رماها. وإن أنتم اليوم خذلتم الشعب ووقفتم في صف أعداء المقاومة، فلن يكون لكم غدٌ في ذاكرة الأمة، ولا سندٌ في وجدانها.
رسالتي إلى الشعب اللبناني المقاوم:
كما قال حزب الله: هذه “غيمة صيف” وستمرّ. لكن عليكم أن تبقوا يقظين. فالعدو لم يرحمنا يومًا، ولن يفعل. ما حمى لبنان هو إيمانكم، وصبركم، ومقاومتكم. وما أجبر العدو على الانسحاب، هو صوت “الله أكبر” من قرى الجنوب، وصدى “هيهات منا الذلة” من بيوت الشهداء.
لا تسمحوا للساسة الذين يعيشون في قصور زجاجية أن يبيعوا إرث المقاومة مقابل وعود من صندوق النقد الدولي أو رحلات إلى نيويورك. نحن لا نتاجر بكرامتنا. تراب الجنوب ما زال يفوح بعطر دماء القادة الشهداء، وما دامت هذه الدماء تجري في عروق لبنان، فالمقاومة باقية.